Yahoo!

شاهدمدونة الإدارة التربوية

مدونة تُعنى بتدبير مؤسسات التربية والتكوين العمومية

مسألة الهوية

كتبها د. عزيز بوستـَّا Dr. aziz Boussetta ، في 17 يوليو 2007 الساعة: 21:00 م

الحق أنني لا أرى في مسألة الهوية دائما سوى شيء من الانحراف. أعني أنّ مَن يَطرح المسألة ويَضَعُها في قلب هواجسه إنما يسعى باحثا في سياق نوع من الانحراف عن الهوية الإنسانية. فحين نبحث عن هوية أخرى، يبدو أننا نتجه اتجاهات غير مأمونة العواقب. فعندما بدأ الألمان يبحثون عن الهوية الألمانية، ظهرت النازية. الإنسان يملك هوية، هوية واحدة يُمْكن إغناؤُها في كل مكان وزمان. وكل محاولة أخرى إنما هي محاولة لتغييره وتحويله إلى أداة د

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

موقف ابن رشد من

كتبها د. عزيز بوستـَّا Dr. aziz Boussetta ، في 30 مايو 2007 الساعة: 02:30 ص

موقف ابن رشد من "الآخر"

    الأستاذ  عزيز بوستّـا

يُلاحظ في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، رواجٌ متزايد للمواقف الرافضة للآخر، والمنغلقة على ذواتها، بدعاوى ومبررات عديدة، تهدف جميعها إلى عدم قبول فكرة الاختلاف والحوار المتبادل مع الغير، من أجل فرض الرأي الواحد، باعتباره الرأي الذي يعبِّر بمفرده عن الحقيقة المطلقة، بينما باقي الآراء كاذبة وضالة ومنحرفة!!!.

أمام هذا الوضع المتردي، لابدّ لنا أن نستخلص العبر من تاريخنا العربي الإسلامي الذي عرف لحظات مشرقة أنارت حضارتنا الإسلامية، ومهدت الطريق لبزوغ الحضارة الحديثة والمعاصرة. ولعل أكثر هذه اللحظات إشراقا هي لحظة ابن رشد؛ لأنها جمعت في شخصه بين إنسان نشأ في عائلة قضاة، وتدرّج في مهنة القضاء إلى أن أصبح قاضي القضاة. (وهي مهمة لا تقِلّ في زماننا هذا عن منصب وزير العدل) كما كان فقيهاً، ومارس جُلّ العلوم الدنيويّة المجتمعة تحت اسم الفلسفة!. فكيف إذن، كان موقف فيلسوفنا وفقيهنا ابن رشد من الآخر؟ ومن هو هذا الآخر بالنسبة له؟

أرى أنه لا بدّ من الإشارة، قبل البدء في استعراض موقف ابن رشد من هذه المسألة، إلى نقطتين منهجيتين أساسيتين:

أولا: إن استلهام الموقف الرشدي من "الآخر"، لا يعني –بأي شكل من الأشكال- الدعوة إلى تبني الفكر الرشدي بحدافره، أو تبني آرائه برمّتِها. لأننا نؤمن بأنه لا يمكنُنَا أن نعيد إحياء أيّ منظومة فكرية، كيفما كانت صفتها، لأنها ابنة زمانها ومكانها.

ثانيا: ما يهمنا من استعراض موقف ابن رشد هو الكشف عن أمر هام، كثيراً ما يتم تغييبه، إمّا عن قصد أو عن جهل، وهو وجود تنوع وثراء واختلاف في تاريخنا الفكري والمذهبي. وباطلاعنا على موقف فيلسوف قرطبة ومراكش، ابن رشد، سنرى موقفا مخالفا لما هو سائد، ونابعاً من إنسان متشبِّع بأصول دينه الإسلامي السمح …

1-   الآخر كاختلاف حضاري: 

لعلّ الحضارة اليونانية، تمثِّل لابن رشد ومعاصريه، نفس ما تمثله الحضارة الغربية الآن بالنسبة لنا، كما أن قُوّة الفكر اليوناني وحِجِّيته في العصر الوسيط الإسلامي، لا تقلّ عن قوة الفكر الغربي في زماننا الحاضر. ولا أعتقد أن تعامل المسلمين آنذاك مع الحضارة اليونانية كحضارة تراثية "ميتة"، وتعاملنا نحن مع حضارة غربية مهيمنة، لا أعتقد أن ذلك ينتقص من قيمة هذه المقارنة. فإذا كانت أصواتٌ عديدة في زماننا الحاضر تنادي بنبذ الفكر الغربي بمختلف تجلياته، والاقتصار فقط على علومه الدقيقة وتقنياته. فإن فقهاءنا وكثير من متكلمينا في الماضي كانوا يعتبرون كل العلوم الآتية من خارج الأمة العربية علوماً دخيلة، بل الكثير منهم كانوا يُحرِّمون تعاطيها، ومنهم من استثنى بعضها كالمنطق مثلا باعتباره مجرَّد آلة لتقويم الذهن… فالوضعية إذن متشابهة بين ماضينا وحاضرنا.

أما ابن رشد فيعتبر الاطلاع على علوم الآخرين من الأمم السالفة واجباً بالشرع، ما دام ديننا الحنيف يدعونا إلى استعمال عقولنا للبحث في كلّ المجالات التي خاضت فيها الإنسانية، وتأمُّل "صناعة" هذا الكون لنتمكن من تبيُّن وجود صانعه… ويشترط مع ذلك التسلُّح بالمنهج العقلي البرهاني في فحص ما نطَّلع عليه من علوم الآخرين، لنقبل الجيِّد منه ونرفض المخالِف للحقِّ والصَّواب. يقول ابن رشد في كتابه: "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال": < <فقد يجب علينا إن ألفينا لمن تقدَّمنا من الأمم السالفة نظَراً في الموجودات واعتباراً لها بحسب ما اقتضته شرائِطُ البُرهان، أن ننظُرَ في الذي قالوه من ذلك، وما أثبتوه في كتبهم، فما كان منها مُوافِقاً للحقِّ قبلناه منهم وسُرِرْنَا به، وشكرناهم عليه، وما كان منها غير مُوافق للحقِّ نبَّهنا عليه وحَذِرْنَا منه وعذَرْناهم. فقد تبيَّن من هذا أنّ النَّظَر في كتب القدماء واجب بالشرع، إذ كان مغزاهم في كتبهم ومقصدهم، هو المقصد الذي حثَّنا الشرع عليه…(1)

ومن الأسباب الداعية –في رأي أبي الوليد- إلى الاعتماد على علوم الآخرين، عدم قدرة أيِّ شخص بمفرده، ولا أيِّ أُمَّة بمُفردها أن تتقدم في هذه العُلُوم ما لم تستفد مما وصلت إليه جُهود الآخرين وتراكمات عطاءاتهم. فلا بُدّ، حسب تعبير ابن رشد < <أن يستعين في ذلك المتأخِّر بالمتقدم>(2).

ويَرُدّ ابن رشد بشدّة، على مثْل ما يُشاع في عصرنا لحاضر من مبالغة في الحديث عمّا يسمى "بالغزو الثقافي"، وعمّن يحتجُّون لدعواتهم تلك بالقول بأن كلّ ما يأتي من الآخر يُفسِد أمَّتنا؛ يردّ عليهم بالقول بأن انحراف وضَلال بعض الناس ممن اطلعوا على فكر الآخر ليس مبرِّراً لمنع كلّ الناس من الاطلاع عليه، ومَثَلُ هؤلاء حسب ابن رشد كَ< <مَثَلِ من منع العطشان شُرْب الماء البارد العذب حتى مات لأنّ قوما شَرِقوا به فماتوا، فإن الموت عن الماء بالشَّرَقِ أمْرٌ عارضٌ، وعن العطش ذاتي وضروري>(3)

2-   الآخر كاختلاف في الدين والملّة:

خِطابُ أبو الوليد ابن رشد كان موجها للإنسانية كلّها، ومُنفتحاً على كلّ الأعراق والأديان والملل. فهو بحقٍّ < <خطاب نابعٌ من مكان محايد وقاصدٍ مكانا مُحايِداً، ولذلك استحقّ تُراثُه أن يكون تراثاً عالميّا. وقد كان تفتّحه على الغير تفتُّحا نقديا، فعندما كان يتكلم عن "الشريعة" لم يكن يعني بها حصراً الشريعة الإسلامية فقط، بل كان يقصد الشرائع السماوية الثلاث في كثير من الأحيان>(4) فهو يقول مثلاً :< <فإن هذا النوع من التمثيل في خلق العالم هو الموجود في القرآن وفي التوراث وفي سائر الكتب المنزلة>(5). وفي كتابه "تهافت التهافت" يوصي ابن رشد بعدم التعرُّض لأصول الشريعة بأيّ نقد قائلاً: < <إنه لا ينبغي أن يُتعرَّض بقول مُثْبِت أو مُبْطِل في مبادئها العامة، مثل هل يجب أن يُعبد الله أو لا يُعبد، وأكثر من ذلك هل هو موجود أم ليس بموجود، وكذلك يرون في سائر مبادئه مثل القول في وجود السعادة الأخيرة وفي كيفيتها لأن الشرائع كلها اتفقت على وُجودٍ أخروي بعد الموت، وإن اختلفت في صفة ذلك الوُجود..>(6)

ولعل هذا البُعْد الإنساني الشامل الذي تميَّزت به فلسفة ابن رشد، والمستمد من روح الدعوة الإسلامية التي تُخاطب الإنسان كإنسان، بِغَضِّ النظر عن عرقه أو لونه أو لغته، هو ما جعل الأوروبيين –بعد وفاة ابن رشد- باختلاف أديانهم، يهوداً ومسيحيين، يُقبلون بشغف على الفلسفة الرشدية، حيثُ كانت هذه الفلسفة –بالإضافة إلى جوانب أخرى من الفكر الإسلامي- تُمثِّل أهم اللبنات التي مهدت لنهوض المجتمعات الغربية.

3- الآخر كاختلاف في الرأي والمذهب:

بنفس الروح المنفتحة على الآخر، عامل ابن رشد كل الفرق الصوفية وال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ظاهرة العقاب البدني واللفظي في التربية

كتبها د. عزيز بوستـَّا Dr. aziz Boussetta ، في 21 مايو 2007 الساعة: 20:55 م

 ظاهرة العقاب البدني واللفظي في التربية           

      ذ. عزيز بوستا 

 رغم أن موضوع العقاب في التربية طُرح للنقاش من طرف مختلف الفاعلين في الحقل التربوي، على المستويين الوطني والعالمي منذ عقود، كما اهتم به المفكرون في الحضارات السابقة؛ الإسلامية واليونانية وغيرها، فيما نسميه بالأدبيات التربوية، إلا أنه رغم ذلك، مازال يحتفظ بأهميته وراهنيته للأسباب التالية:

     1 ـ مازال العقاب البدني واللفظي سائدا في مؤسساتنا التربوية باختلاف مستوياتها الأولية والأساسية وغيرها.

     2 ـ ظاهرة العنف (المرتبطة بالعقاب) لا يخلو منها أي بلد في العالم، وقد بلغت درجات قصوى في بعض البلدان الغربية تمثلت في إطلاق النار على التلاميذ والمدرسين…

     3 ـ كنا قبل العقد الأخير نستنكر ظاهرة انتشار صور العنف في الأفلام والرسوم المتحركة التي يشاهدها الأطفال، فأصبحنا اليوم نُقذف بآلاف صور العنف والتقتيل الحية والواقعية والمبثوثة مباشرة أحيانا عن أطفال ونساء وشيوخ يُقتلون ويُقطعون أشلاء، فيما يمكن أن نسميه عقابا جماعيا للشعبين العراقي والفلسطيني…

     موضوع العنف والعقاب إذن، جدير بأن يحتل صدارة نقاشاتنا، وما دمنا نعمل بالمجال التربوي، سنقتصر على تحليل البعد التربوي لهذه الظاهرة.

     I ـ مظاهر العقاب في المؤسسات التربوية وأسباب وجودها:

     لا بد من الإشارة – في البداية- إلى النقص الكبير في البحوث التربوية الميدانية التي أُنجزت حول هذا الموضوع، بحيث لا نملك رصداً دقيقا للحجم الحقيقي لهذه الظاهرة في مؤسساتنا التربوية، ليس هناك سوى بحوث متواضعة تشمل التعليم الابتدائي فقط، أما التعليم الأولي فلا زال في حاجة إلى دراسات علمية ميدانية. كما يجدر التنبيه إلى الصعوبات الكبيرة التي تعترض كل من يريد دراسة هذا الموضوع دراسة علمية موضوعية، فلا الاستمارات ولا الاستبيانات ولا الاستجوابات كافية لجمع معطيات جاهزة عنه، لأنه يتعلق بموضوع "محرم"، يصعب الإدلاء بالرأي الصريح حوله، كما يصعب على الباحث أن يستطلع رأي الطفل أو موقفه منه، أو أن يعرف حقيقة ما يتعرض له الطفل من عقوبات، لأن الباحث يظل بالنسبة للطفل شخصاً غريبا وممثلا في نفس الوقت لسلطة الراشد… وحتى استجواب الآباء واستطلاع آرائهم حول هذا الموضوع يخضع لمؤثرات ذاتية قد تُضخِّم منه نظرا للروابط العاطفية بين الآباء وأبنائهم، أو عكس ذلك قد تستهونه إذا كان الأب سلطويا في تعامله مع أبنائه …

     رغم النقص الملحوظ في دراسة هذا الموضوع ميدانيا، يمكننا القول من خلال ملاحظاتنا التلقائية وخبراتنا الشخصية، ومن خلال خلاصات بعض الدراسات التي أجريت في التعليم الابتدائي (1)، أن ظاهرة العقاب العنيف مازالت منتشرة في مؤسساتنا التربوية، وتأخذ عدة مظاهر منها:

     1 ـ العقاب البدني بأدوات معينة كالعصي والحبال والمساطر وغيرها، أو باللطم والصفع والقرص…

     2 ـ العقاب العنيف دون استخدام أدوات: كإيقاف الطفل خلف الباب، أو في مواجهة الحائط الخلفي للقسم مع رفع إحدى رجليه أو دون رفعها لمدد متفاوتة.

     3 ـ العقاب اللفظي المتمثل في السّب والشتم والاستهزاء والسخرية…

     4 ـ العقاب بالإهمال وعدم إعارة أي اهتمام لما يقوم به الطفل من أعمال ونشاطات تربوية وتعلمية…

     5 ـ العقاب بالتنقيط (نقطة الصفر، النقطة الموجبة للرسوب)

     6 ـ العقاب بالواجبات والفروض، كإرغام الطفل على كتابة كلمة أو جملة أو فقرة عشرات أو مئات المرات .

     7 ـ < <العنف النفسي وفرض الرأي بصفة تسلطية وكبت حرية التعبير>(2).

 

  أسباب وجود ظاهرة العقاب العنيف في مؤسساتنا التربوية:

     لظاهرة العقاب العنيف عدة أسباب تشمل جوانب متعددة من حياة الفرد والمجتمع، يعود بعضها إلى عوامل تاريخية، وبعضها الآخر إلى أسباب نفسية واجتماعية وثقافية، كما يؤول بعضها أيضا إلى طبيعة النظام التعليمي ببلادنا. وهي كلها أسباب – على اختلاف درجات تأثيرها- تعمل إذا اجتمعت على تفاقم ظاهرة العقاب العنيف، وكلما ضعف تأثير بعض عناصرها، كلما لوحظ تقلص عنف العقاب وتدني حدته. نذكر من هذه الأسباب:

     أ ـ الموروث التربوي: ونقصد به وجود جذور لظاهرة العقاب في تاريخ مجتمعنا البعيد والقريب، توارثتها أجيال بعد أجيال (3). فكثير من مفكرينا وفقهائنا المسلمين تعرضوا في مؤلفاتهم لهذه الظاهرة مثبتين وجودها، بل وتفشيها في مجتمعاتنا. نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر العلامة المختار السوسي (وُلد سنة 1898م وتوفي سنة 1963م.) من خلال مؤلفيه: < <المعسول> الذي يقع في عشرين جزءا و < <مدارس سوس العتيقة>، وهي مؤلفات جمع فيها كاتبها معلومات عن أزمنة ممتدة من القرن الخامس الهجري إلى القرن الرابع عشر الهجري.(4)

     يقول المختار السوسي نقلا عن أحد المدرسين: < < إن والديهم (آباء التلاميذ) إذا لم يجدوا فيهم (أبنائهم) أثرا للضرب ولوث الدم وتلطيخ بكثرة الجروح فإنهم يرجعون إليّ باللائمة والعتاب ... فكثيرا ما يأتي أحدهم فيقف بعيداً أو ينادي من وراء الحجرات، اضرب ولدي فإنه ساكت لاعب لاهٍ>(5) وعن ذلك يعقب المختار السوسي < <هذا التأديب العنيف الذي يرتكبه الطلْبة (المدرسون) ويرتضيه الآباء ويغُضُّ عنه الرأي العام هو الذي يحمل بعض التلاميذ على الانتحار ...على الهروب وقلما نجد من لم يهرب من بلد إلى بلد من كل من تعلم القرآن>(6).

     وعن العلاقة بين المعلم والمتعلم، يقول المختار السوسي: < < إذا جلس التلميذ إلى الطالْب (المدرس) ليعرض لوحته ثم تململ فيها، فلا يجيبه إلا بلطمة أو ركلة أو بقرصة ... والمقرص الرسمي يكون دائما تحت الذقون. ولذلك قلما نجد تلميذا إلا له أثر في عنقه ... والوالدان يقولان في ذلك متى رأوه رضي الله على الطالْب فما أكثر اجتهاده ... وقلما نجد من يمتعض لولده إن رأى منه مثل ذلك ...>(7) ويصف المختار السوسي نفسية هؤلاء المدرسين بقوله: < < بل أكثرهم، المدرسون متخلقون بهذه الشراسة والقساوة، بحيث إن لم ينهمكوا في تعذيب المتعلم، يحصل لهم التغيير الظاهر, والقبض والصداع، طبيعة وتطبع>(8)

     وتجدر الملاحظة إلى أن أغلب الفقهاء الذين أوردوا هذه الشهادات عن وجود ظاهرة العقاب البدني في المجتمع يتفقون على ضرورة تجنب العقاب العنيف في التربية، لكنهم لا ينفون أهميته حين يكون معتدلا، بل منهم من يحدد عدد الضربات المسموح بها لكل مرحلة من مراحل الطفولة(9).

     ب ـ تأثير التنشئة الاجتماعية في تكوين المربي والمدرس:

     تتميز أغلب الأوساط الأسرية في مجتمعنا بالخصائص الآتية:

          1 ـ تمركز السلطة في يد الأب، وعدم إتاحته لباقي أفراد الأسرة فرصة مناقشة أي قرار يتعلق بالأسرة، وخاصة منهم الأطفال الصغار.

          2 ـ استعمال العقاب البدني في التربية الأسرية.

     فمثل هذه التنشئة الاجتماعية، لا بد وأن تترك بصماتها في سلوك المدرس - الذي ترعرع فيها-  أثناء قيامه بمهامه التعليمية التربوية.

     ج ـ تأتير المدرسين السابقين على المدرسين الجدد، فهؤلاء يستمدون الكثير من التقنيات التعليمية من مدرسيهم القدامى عن وعي أو بدونه.

     هكذا يتعامل المربي أو المدرس داخل القسم مع الطفل الحاضر أمامه، مستحضرا دون وعي، تجربة الطفل القابع في لاوعيه، مما يجعله في غالب الأحيان يُعيد إنتاج نفس نمط التربية الذي تلقاه. لكن – لحسن الحظ- ما يجعل هذه النماذج لا تتكرر بنفس الحدة، هو خضوع المجتمع لحركية (ولو بطيئة) تتدخل فيها عناصر جديدة تجعلها تتطور نحو الأفضل، نحو علاقات تربوية أقل سلطوية، من هذه العناصر: الاحتكاك الذي وقع لمجتمعنا مع حضارات مختلفة، وبداية اتساع الحريات الفردية والعامة في المجتمع.

     د ـ التنافر الحاصل بين المؤسسة التربوية ووسائل الاتصال الحديثة: فحضارة الصورة التي نعيشها اليوم، وثورة المعلوميات، تجعل الطفل منجذبا لمنتجاتها، مستسلما لمغرياتها، نظرا لما تقدمه له من تنشيط وحركية وصور جذابة وفرجة وتسلية، مما يجعل الطفل ينغمس بكل جوارحه في تعامله معها (من هذه الوسائل: الألعاب الإلكترونية وبعض برامج الحاسوب والأنترنيت، وبرامج القنوات الفضائية المختلفة). وفي مقابل هذا العالم المليء بالحركة والتنشيط والمتعة، يجد الطفل نفسه داخل المؤسسة التربوية أمام وسائل تعليمية بدائية غالبا ما تنحصر في السبورة والطباشير، وطرق تدريس عقيمة تعتمد على التلقين والحفظ والاستظهار… مما يجعل الطفل ينفر من هذه المؤسسات، ولا يُقبل عليها إلاّ مُكرها، مما يفتح المجال واسعا لممارسة مختلف أشكال العنف والعقاب لإرغام الطفل على "التكيف" مع هذا "العالم التربوي" الذي لا يلبي حاجياته ورغباته …

     ج ـ إكراهات تتحمل مسؤوليتها المنظومة التربوية ببلادنا،  أذكر منها:

          1 ـ اكتظاظ الأقسام بالأطفال يساهم في خلق علاقات تربوية غير سليمة بين المربين أو المدرسين والأطفال، كما يعد أرضية خصبة لتفشي كل أشكال العنف بما فيها العقاب البدني واللفظي.

          2 ـ ضعف إمكانيات المؤسسة التربوية، وندرة الوسائل التعليمية المناسبة، يساهم في تكريس طرق تقليدية في التربية، مما يضطر المربين إلى اللجوء إلى بعض أشكال العقاب "لإرغام" الأطفال على مسايرة دروسهم … فالاستغناء عن العقاب البدني يتطلب من المدرس - بالإضافة إلى خب

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

جمعية الأساتذة المكونين تكرم أطرها المتقاعدة

كتبها د. عزيز بوستـَّا Dr. aziz Boussetta ، في 7 يناير 2012 الساعة: 08:58 ص

        انعقد بالمركز التربوي الجهوي بطنجة ، صباح يوم السبت 10 دجنبر 2011، حفل تكريم على شرف مجموعة من الأساتذة المكونين المحالين على التقاعد، وفيما يلي مقال مصور عن جريدة طنجة الصادرة بتاريخ 24 ديسمبر 2011، في نفس الموضوع، كما ن

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أدوار المدرس الجديدة

كتبها د. عزيز بوستـَّا Dr. aziz Boussetta ، في 26 يناير 2008 الساعة: 18:51 م

أدوار المدرس الجديدة

ذ. عزيز بوستا

يعرف بلدنا والعالم بأسره، خلال العقود الأخيرة، تحولات وتغيرات سريعة؛ كان لها تأثير كبير على منظومتنا التربوية. فمؤسساتنا التعليمية اليوم تشتغل في وسط مختلف جدا عن الوسط الذي وُجد منذ عقود. إنها الآن في مواجهة مشاكل اجتماعية أكثر خطورة، وننتظر منها أن تلعب أدوارا مهمة على المستوى الاجتماعي، وأن تُعين الناشئة على تنمية وتطوير كفايات ضرورية للبقاء والاستمرارية والازدهار، في عالم سريع التطور. (هـ1 فمع انتقال العالم من عصر الآلة إلى عصر المعلومات والعولمة، ودخوله مرحلة التغييرات السريعة، أصبحت الأنظمة التربوية مضطرة لمراجعة طرق وآليات اشتغالها، وفلسفتها، وبرامجها، من أجل التكيف مع البيئة الجديدة. وتأتي أدوار المدرس في مقدمة العناصر التي يجب أن يشملها التغيير الذي تفرضه التحديات البيئية المشار إليها؛ إلى جانب عناصر أخرى لا تقل أهمية، تتعلق بجوانب تنظيمية وإدارية وتشريعية …

لعل أهم ما ميز أدوار المدرس التقليدية، والتي لازالت – للأسف الشديد- مستمرة بأشكال ودرجات متفاوتة في مدارسنا؛ الاعتماد المفرط للتلاميذ على مدرسهم على كافة المستويات: فقد كان المدرس يمثل المصدر الرئيسي للمعلومات إلى جانب الكتب المدرسية، والعنصر المحوري في الفصل الدراسي، والمسؤول الوحيد عن أنشطة القسم على مستوى التخطيط والتنفيذ والتقويم… (هـ 2)، كما كان همه الوحيد هو تنفيذ البرنامج الدراسي، وتحقيق أهدافه التي غالبا ما تقتصر على معلومات ومعارف محضة.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأدوار التقليدية للمدرس كان لها ما يبررها خلال العقود السابقة؛ إذ كانت منسجمة مع مستوى التطور الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والعلمي الذي عرفه العالم سابقا؛ بحيث كان يُمثل فيه مجتمع الفصل الدراسي عينة صغرى تعكس ما يوجد في واقع المجتمع برمته…

أما في عصرنا الحاضر، بعد حصول التغييرات التي أشرنا إليها سابقا، وتطور الأبحاث والدراسات في مجال البيداغوجيا والديداكتيك، وخضوع أغلب المنظومات التربوية – ومن ضمنها منظومتنا التربوية المغربية – لإصلاحات كبرى تسعى لردم الهوة الكبيرة التي تفصل المؤسسة التعليمية عن التحولات الهامة والتقدم الكبير في مجال العلم والتكنولوجيا… أمام هذه التغيرات السريعة، كان لا بد لأدوار المدرس أن تتغير؛ فهو لم يعد اليوم المالك والمحتكر الوحيد للمعرفة والمعلومات، فباستطاعة أي تلميذ أن يحصل عليها بسهولة من كافة وسائل الاتصال المتاحة. كما أن التلميذ نفسه لم يعد ذلك الطفل السلبي، سهل الانقياد، والذي يقبل كل الأوامر والنواهي، بل والعقوبات القاسية التي يُلحقها به المدرس التقليدي. فالانفتاح السياسي التدريجي الذي يعرفه مجتمعنا، وازدياد انتشار الثقافة الحقوقية عامة وثقافة حقوق الطفل خاصة، جعلت المدرس التقليدي يعاني كثيرا من المشاكل مع تلاميذه وآباء وأولياء أمور تلاميذه …

وعلى المستوى البيداغوجي، تدعو مقاربة التدريس بالكفايات – التي تبناها الإصلاح التربوي الم

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مفهوم الخيال عند الفارابي

كتبها د. عزيز بوستـَّا Dr. aziz Boussetta ، في 20 يوليو 2007 الساعة: 21:16 م

مقدمة:

إذا كان الخيال على العموم , نشاطا إبداعيا خلاقا ,يحاول الإنسان بواسطته تفجير طاقاته الإبداعية ليكسبها جمالية  وفنية ، علاوة على كونه ـ أي مفهوم الخيال ـ يمكننا من توسيع مجال معارفنا لتشمل اللا معبر عنه باللغة العادية ،بحيث بشكل الخيال صورا إبداعية ، تضفي معاني و قيم جديدة على مواضيعه , فهل هذا هو ما فهمه منه المعلم الثاني , الفارابي ؟.

ما هو الخيال عند الفارابي ,و  ماهي الياته و أدواته ؟و ما هي المجالات التي وظف فيها الفارابي ذلك المفهوم ؟و ما مكانته من فلسفة الفارابي ككل ؟ تلك هي الأسئلة التي سنحاول معالجتها في الفصول التالية .

و مادام حديث الفارابي عن الخيال يقترن في جل نصوصه بحديثه عن القوة المتخيلة كقوة نفسية لدى الإنسان ,يسندلها الفارابي مهمة التخيل وإنتاج الخيالات , فقد خصصنا الفصل الأول من هذا البحث لمعرفة موقع القوة المتخيلة من النظرية السيكولوجية للفارابي ,و الخصائص المميزة لهذه القوة , و كذلك للبحث عن طبيعة علاقتها بالقوى النفسية الأخرى ,و بالخصوص القوة الحاسة و القوة الناطقة و القوة النزوعية محاولين معرفة كيفية اشتغالها و إنتاجها  لخيالاتها و مدى فعاليتها في ذلك الإنتاج .و قد اقتصرنا في هذا الفصل على دراسة خصائص و مميزات القوة المتخيلة في حالة اشتغالها العادي اثناء اليقظة .

أما الفصل الثاني فقد قصرناه على دراسة طبيعة القوة المتخيلة أثناء المنام و فعاليتها في إنتاج الأحلام و المنامات , محاولين معرفة خصائصها و مميزاتها أثناء المنام ,و طبيعة علاقتها بقوى النفس الأخرى ( الحساسة و الناطقة و النزوعية  ) و قد تطرقنا كذلك في هذا الفصل ،لتفسير الفارابي لبعض الظواهر الناذرة التي تحصل لبعض الناس اثناء اتصالهم بالعقل الفعال بتوسط المتخيلة ،كالكهانات و النبوة .وقدتساألنا ـفي هذا المجال ـ عن الشروط التي يفترضها الفارابي في مثل هؤلاء الناس و الكيفية التي يتم بها تلقي المتخيلة للمعرفة الواردة عليها من العقل الفعال .

و إذا كنا قد ركزنا في الفصلين الأول و الثاني ـفي دراستنا لمفهوم الخيال عند الفارابي ـ على الجانب السيكولوجي للخيال ، فإننا في الفصل الثالث حاولنا تبين مكانة و أهمية الخيال في ثلاث مجالات رئيسية ؛المجال الأخلاقي ،و المجال المنطقي و الأدبي ثم المجال السياسي .

و قد أثار انتباهنا و نحن ننجز هذا البحث بعض الدراسات الحديثة التي انصبت على دراسة مفهوم الخيال في الثقافة العربية ـ الإسلامية  ـ مما دفعنا إلى التساؤل عن مدى صحتها و علميتها خاصة و أنها ـ أي تلك الدراسات ـ غالبا ما تصدر أحكاما تعميمية تشمل أحيانا الفلاسفة المسلمين كلهم ،أو  علماء الكلام ،بل و قد تنطبق ـ في اعتقاد أصحاب هذه الدراسات ـ على الثقافة الإسلامية بكل تنوعاتها ؛فغرونباوم يذهب إلى أن النزعة العقلانية في الثقافة الإسلامية لا تمنح الخيال منزلة رفيعة ،و أن الفكر الإسلامي على وجه العموم لم يتخل عن علم النفس  الأرسطي الذي يضع الخيال الإنساني مع القوى الحيوانية على صعيد واحد . كما يقول بأن (النظرة الكلامية أيدت هذا التهوين من شأن تلك القوة الخلاقة فكيف ذلك من الجهود العقلية في الأعصر التالية ، حتى كاد ينجم عنه إنكار و استهجان لخيال الشعراء ) ، و يرى د . جابر أحمد عصفور أن ( القوة المتخيلة ـ عند الفلاسفة المسلمين ـ مقيدة بقيود الحس و لا يمكن لحركة التخيل أن تنطلق وتتحرك دون مدركاته و معطياته . وفي ذلك تتجلى نقاط الضعف  التي تعتور هذه القوة ، ويتولد كثير من سوء الظن في قيمة نشاطها الخلاق ). فإلى أي حد تنطبق هذه الأحكام على الفارابي ؟ .

أشير بهذا الصدد إلى أن غاية هذا البحث لن تكون ردا على هؤلاء الباحثين أو تزكية أطروحتهم  فكل ما نتوخاه من إنجاز هذا البحث هو تقصي و دراسة مفهوم الخيال عند الفارابي و محاولة معرفة الخصائص التي يتميز بها و مختلف السياقات والمجالات التي وظف فيها الفارابي ذلك المفهوم و مكانته من فلسفة الفارابي ، اقتناعا منا بأن أي تنظير للتراث ، وأي تقييم له ـ أو لجانب من جوانبه ـ يجب أن تسبقه دراسات علمية جادة تحاول فهم ذلك التراث .

وقد اعتمدت أساسا في إنجاز هذا البحث على مقاربة مباشرة لنصوص الفارابي الأصلية دون الصدور عن رؤية ماضوية كل همها الماضي و الماضي فقط ، و دون الإنطلاق كذلك من هم فكري محض ، بل إنني أتوجه إلى التراث على أساس أني أعتقد أن هذا التراث لم يعرف بعد ، بمعنى أننا لا نعرف في الحقيقة التراث ، إنما نعرف ََ دراسات ََ تمت عن هذا التراث ـ قد تكون صائبة طبعا و لكن قد تكون أيضا خاطئة ، وهذا هو الغالب ـ . وهذا لم يمنعني من الإستعانة في تجاوز بعض الصعوبات بتأويلات بعض الباحثين ، حينما يتبن لي أنها تقربني من فهم النص الفارابوي .

 

 

مكانة الخيال في البنية السيكولوجية للإنسان عند الفارابي

وإننا و نحن نبحث عن ملامح الخيال عند الفارابي ،لسنا أمام مفهوم متضح المعالم ،أو بصدد دراسة مفهوم خصص له الفارابي حيزا خاصا في مؤلفاته .بل نجد أنفسنا أمام تداخل مكثف لعدة مفاهيم و أفكار ، مصاغة في سياقات و مجالات مختلفة ، يصعب فصل بعضها عن البعض الآخر ،مما يدعونا إلى الإحتراس الشديد أثناء دراسة مفهوم واحد من تلك المفاهيم حتى لا نخل بالمعنى .

ما هو موقع الخيال أو القوة المتخيلة من النظرية السيكولوجية للفارابي ؟ و ماهي  الخصائص المميزة لهذه القوة ؟ وما طبيعة  علاقتها بالقوى النفسية الأخرى و بالخصوص القوة الحاسة و القوة الناطقة و القوة النزوعية ؟كيف تشتغل و كيف تنتج خيالاتها ؟و هل لها فعالية في هذا الإنتاج تلك هي الأسئلة التي سنحاول معالجتها في هذا الفصل .

إن الحديث عن الخيال عند الفارابي نجده ـ في جل نصوصه ـ مقترنا بالقوة المتخيلة ، و لعل دلالة هذا أن الفارابي بصدد حديثه عن الخيال لا يعتبره مفهوما مجردا عن كل تعيين ، بل يربطه بتصوره البيولوجي و السيكولوجي للإنسان ، كما أنه لا يورد كلمة (قوة )أو (قوى )أثناء حديثه عن الموجودات الإلهية أو الأجسام السماوية ،بل يتحدث في هذا المجال عن (نفوس ) أو (عقول ) أما ذكره لكلمة قوة فيأتي حين حديثه عن الأجسام الهيولانية  في مستواها البيولوجي و السيكولوجي  ، ولعل دلالة هذا التميز هو أن هذه القوى مح

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حوار مع الدكتور محمد المصباحي / الجزء الأول

كتبها د. عزيز بوستـَّا Dr. aziz Boussetta ، في 10 يوليو 2007 الساعة: 21:29 م

 حوار مع الدكتور محمد المصباحي

حول قضايا متعلقة بالفلسفة العربية الإسلامية - الجزء الأول

نُشر ب< < الصورة: مجلة النقد الأدبي والبحث الفلسفي> السنة الثانية ، العدد الثاني، خريف 1999 دار النشر المغربية بالدار البيضاء

أجرى الحوار: عزيز بوستا / محمد الشلي

 

 

لعل ما يميز الدكتور محمد المصباحي، من بين جمهرة المشتغلين بالفلسفة الإسلامية، منهجُه العلمي المتفرد في قراءة واستنطاق مكنونات النصوص التراثية؛ منهج نقدي إشكالي يتوجه إلى المتون الفلسفية في نَصِّيتها، مع انفتاح متيقظ على فتوحات العقلانية الفلسفية المعاصرة وما تثيره من إشكالات وتطرحه من رهانات وآفاق، وذلك بعيدا عن أي تعصب مذهبي أو تصلب دوغمائي. ومافتئت اجتهاداته النظرية تتراكم على امتداد سنوات طويلة، خصوصا في حقل الفلسفة الرشدية التي تعتبَر مجالَ تخصصِه بامتياز، حيث أثمرت أبحاثه لحد الآن المؤلفات الآتية:

          ـ إشكالية العقل عند ابن رشد، بيروت/الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 1988.

          ـ دلالات وإشكالات، الرباط، منشورات عكاظ، 1988.

          ـ من المعرفة إلى العقل، بحوث في نظرية العقل عند العرب، بيروت، دار الطليعة، 1990.

          ـ تحولات في تاريخ الوجود والعقل، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1995.

          ـ الوجه الآخر لحداثة ابن رشد، بيروت، دار الطليعة، 1998.

          ـ أنحاءُ الوحدة وتجلياتها عند ابن رشد، (قيد الطبع).

كما أن له مقالات متعددة نُشرت في دوريات متخصصة مختلفة يصعب حصرُها، فضلا عن أبحاث شارك بها في عدة ندوات وملتقيات فلسفية داخل المغرب وخارجه؛ مما يجعل منه شخصية علمية ذات حضور فاعل في إثراء وتعميق المشهد الثقافي من خلال اضطلاعه بالمهام الآتية:

          ـ عضو مؤسِّس لمركز الدراسات الرشدية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس.

          ـ عضو المكتب الإداري للجمعية الفلسفية المغربية.

          ـ عضو هيئة تحرير مجلة "مدارات فلسفية" التي تصدرها الجمعية المذكورة.

          ـ أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط،
             ورئيس وحدة للتكوين والبحث بها في محور: "فضاءات الفكر في الحضارة العربية".

لهذه الاعتبارات، حرصت المجلة على لقائه ومناقشته بصدد جوانب من مشروعه الفلسفي، لتقريبه من القراء وإشراكهم في بعض انشغالاته وأجوائه، فكان هذا الحوار.

* * * * *

 

         &الصورة: أعلنتم في مناسبات عديدة (حوار مع صحيفة "المنعطف"، عدد 11، 08/08/1996، ص: 12-13، وأيضا في حوار مع الملحق الثقافي لصحيفة "الاتحاد الاشتراكي"، عدد 511، 25/04/1997، ص: 3) أنكم تَعتبرون نفسَكم رشديا. والمعروف أن ابن رشد من جهته كان يَعتبر نفسَه أرسطيا، بينما كان أرسطو واضحا في إعلان تحالفه مع الحقيقة أينما وُجدت ولو ضد أستاذه أفلاطون.

          نستأذنكم في العودة مجدَّدا لتوضيح هذه النقطة: هل يتعلق الأمر بولاء لروح فلسفة ابن رشد العقلانية المتفتحة؟ أم بولاء للمرجعية الأصلية لهذه العقلانية، أعني للأرسطية التي بلغت من حيث العقلانية والانفتاح المنهجي شأوا بعيدا، إلى درجة تبدو معه وكأنها بعيدة عن أية نسقية دوغمائية متصلبة، بحيث أصبح الباحثون (أمثال J  aejer, Fr. Nuyens .W)، يتحدثون اليوم عن ثلاثة نماذج أو أكثر لأرسطو.

          وفي كلتا الحالتين، هل يتعلق الأمر بولاء لإبستيمية عربية إسلامية، أم لإبستيمية غربية؟ أم أن شعار الرشدية بالنسبة إليكم يتسعُ لهذا كله؟  

 

p د. المصباحي: أشكركم على هذا السؤال العميق والماكر، والذي يثير كثيراً من القضايا الشائكة المتعلقة بدراسة ابن رشد. في الحقيقة، عندما كنت أعلن بصفة غير مباشرة بأنني رشدي، لم أكن أفعل ذلك للتعبير عن تعلق مذهبي بابن رشد، كالذي أبداه هو حيال أرسطو والذي آل به إلى اعتباره "الرجلَ الذي كمُل عنده الحق"، بل إن تعلقي بأبي الوليد هو تعلقُ محبة ، لكنها ليست محبة عمياء لا تترك لنفسها حرية أخذ المسافات الفاصلة التي تسمح بالحق في ممارسة النقد والتفكير. إن تعلقي بابن رشد ليس تعلقا من أجل ابن رشد نفسِه، ولا من أجل أرسطو، كما أن تعلقي به لا يعني تعصباً مذهبياً لوجهة نظره في فهمه لأرسطو وللفارابي ولابن سينا ولابن باجة. بل إن محبتي لابن رشد هي أولا محبة لرجل استطاع أن يجمع بين ولائه لثقافته الفقهية والأصولية من جهة، وتفتحه على علوم الآخر المخالِف لنا في الملة والمصيبِ في الحق؛ وثانيا لمحبته العميقة للفلسفة وما يتصل بها من علم وطب وفلك؛ والوجه الثالث لمحبتي له هو مراعاته، بل وصرامته في مراعاته لشروط الصناعة الفلسفية في النظر إلى القضايا الطبيعية والإلهية والنفسية وقضايا المدينة؛ وأخيرا فإن تعلقي به هو تعلق منهجي، تعلق بزاوايا النظر التي كان يَنظر من خلالها إلى العالم. إذن ، محبتي لابن رشد هي في الحقيقة محبة للفلسفة، هي حنين لعادة أسلافنا في تعظيم العلم والفكر وتقدير ذويه، إيماناً مني أننا عندما ننسى الفلسفة فإنما ننسى وجودنا وتاريخنا وإرادتنا في التحدي والبقاء، وننسى مروءتنا وأخلاقنا. وأعتقد بأنه بدون هذه المقدمات لا نستطيع اليوم أن نقيم لأنفسنا أسس صرح حضاري جديد.

إن محبتي لابن رشد إذن هي محبة بالعرَض لا بالذات. لكننا ينبغي أن لا ننسى تلك الفضيلة التي رفعها أبو الوليد إلى مرتبة "الواجب الفلسفي"، وهي فضيلة حب الأوائل وتقديره إياهم. فقد أوجب ابن رشد على صاحب الفلسفة أن يُعرب عن حبه للأوائل من الفلاسفة والعلماء، لأنهم في نظره هم الذين خلقوا عقولنا في مقابل آبائنا الذين خلقوا أبداننا. وهذا لعمري أحد الشروط الأولى للدخول إلى عالم الفلسفة. وبالفعل، فإن كل مُطلِع على الإنتاج الأرسطي لا يملك إلا أن تصيبه الدهشة من عظمة هذا الرجل وكمال مقاله ونفاذ فكره ودقة عبارته في كل ما أبدعه أو تطرق إليه من علم أو فن. ومع ذلك فبوسعنا أن نبرهن بأن تعلق ابن رشد بأرسطو لم يكن تعلقاً أعمى، أي على حساب الحقيقة، لأننا كثيرا ما نلفيه يلاحظ على المعلم الأول تقصيرَه في هذه النقطة أو وقوفَه دون الكمال في تلك، بل إننا يمكن أن نَعتبر بأن إقدامه على كتابة شروحه الكبرى دليلا على رغبته في تجاوز أرسطو عن طريق الغوص فيه. لقد كان تعلقه به تعلّقاً في الجوهر، في الأمر المشترَك بينهما، وهو محبة الحكمة، من حيث هي ممارسة للعقل في أقصى تجلياته وصرامته وإبداعه، أي ذلك العقل الذي يراعي تقاليد الصناعة الفلسفية الملتزمة بقواعد البرهان بمعناه الواسع.

لقد أشرتم في تساؤلكم إلى بعض الاتجاهات المنهجية الحديثة في دراسة الفكر الأرسطي التي برهنت، بالاعتماد على جملة من المعطيات الفيلولوجية الدقيقة، على أن أرسطو لم يَظهر فجأة مكتمِلَ المذهب متناسقَ الأفكار في زمن محدَّد، بل إنه مر بمخاض طويل وعسير أسهم فيه تفاعله مع الاتجاهات الفكرية في زمانه كالأفلاطونية والديمقريطية والسفسطائية… كما أسهم فيه بحثه الشخصي واجتهاده الأصيل. هكذا أدت هذه الرؤية الجينيالوجية إلى تغيير جذري في نظرتنا إلى فكر وإنتاج أرسطو، حيث تم استبعاد النظرتين النسقي

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حوار مع الدكتور محمد المصباحي / الجزء الثاني

كتبها د. عزيز بوستـَّا Dr. aziz Boussetta ، في 10 يوليو 2007 الساعة: 21:26 م

  حوار مع الدكتور محمد المصباحي

حول قضايا متعلقة بالفلسفة العربية الإسلامية - الجزء الثاني

نُشر ب< < الصورة: مجلة النقد الأدبي والبحث الفلسفي> السنة الثانية ، العدد الثاني، خريف 1999، دار النشر المغربية بالدار البيضاء

&الصورة: في الصفحة34 من كتابكم "تحولات في تاريخ الوجود والعقل"، تصرحون بأن "كل الاتجاهات في تاريخنا الفكري كانت صريحة في ربط مصير العقل بالبرهان والفلسفة… مما أدى إلى انتشار نزعة صَوْرَنَة المعارف وعدم الاهتمام بالتجربة وبالعلوم التجريبية".

يبدو أن تصريحكم فيه بعض الإجحاف بالنسبة لمنزلة الإسهام العلمي العربي في حقول العلوم التجريبية، كالكيمياء والطب والفلك والتشريح والصيدلة، لاسيما إذا أخذنا بعين الاعتبار المعطيات الآتية:

* لقد كان الاشتغال بهذه العلوم مقصورا فقط على دائرة الفلاسفة العرب، كما نطالع ذلك في "عيون الأنباء" و"طبقات الحكماء" و"طبقات الأمم" وغيرها من كتب التراجم القديمة.

* صحيح أن ابن رشد ،على سبيل المثال، كان قد نَحَى إلى ما يشبه هذا المنحى الذي تشيرون إليه في صَوْرَنَة علم الطب وإن بطريقة معتدلة غير متطرفة حين قال في كتابه "الكليات في الطب": "… ولذلك ما نرى أنَّ تعديد هذه الأمراض بحسَب عضو عضو، ووصفَ الأدوية النافعة لها، طريقٌ متمِّم لهذه الطريقة الكلية، وهي الطريقة الكناشية… وأما مَن يَقتصر على الطريقة الكناشية دون معرفة الطريقة الكلية، فيخطِئُ قطعا، كما يفعله أطباءُ وقتنا"؛ لكنه بالمقابل كان له موقف صارم ومناهض بصدد النزعة الرياضية المتطرفة لدى بطليموس التي آلت بنظرياته الفلكية إلى عدة مُحالات وشناعات تتناقض وكثير من مقدمات وثوابت العلم الطبيعي الأرسطي، إذ يقول في مقالة اللام من "تفسير ما بعد الطبيعة" (ج3، ص: 1663-1664): " فإنه يجب أن يُجعل الفحصُ مِن رأسٍ عن هذه الهيئةِ القديمة [الأرسطية]، فإنها الهيئة الصحيحة التي تَصِحُّ على الأصول الطبيعية… فإن علم الهيئة في وقتنا هذا ليس شيءٌ منه موجود، وإنما الهيئة الموجودة في وقتنا هذا هي هيئة موافِقة للحُسبان لا للوجود".

* لقد كان للمارسة العلمية التجريبية أحيانا تأثير حاسم على الفلاسفة العرب، حتى وهم بصدد بناء مواقفهم في مواضيع فلسفية دقيقة كما هو الحال مثلا بالنسبة للتحليل الرشدي لجوانب معيَّنة من إشكالية العقل (انظر على سبيل المثال: د. محمد المصباحي: إشكالية العقل عند ابن رشد، ص: 197).

ـ كيف تبررون هذه المفارَقة؟ ثم ألا تلتقي هذه الدعوى مع بعض الأطروحات الاستشراقية الكلاسيكية؟ ومن جهة أخرى، كيف تنظرون إلى إمكانية إدماج تاريخ العلم العربي ضمن إشكاليات تاريخ الفلسفة الإسلامية؟ 

 

p د. المصباحي: هذا السؤال، شأنُه شأن السؤالين السالفين، ينطوي على عدة أسئلة، ولكنه ينطلق من معاينة نوع من الإجحاف بصدد الحكم على تاريخ العلم أو الفلسفة العربية الإسلامية، هذا الإجحاف الذي عبَّرتم عنه بالقول بأنني أشرتُ إلى أن معظم الاتجاهات كانت تَسير في اتجاه صَوْرَنة المعارف والعلوم.

عندما يُصدر الإنسان حكما عاما على تاريخ بأكمله، فإنه لا يعني أن هذا الحكم العام يخص جميع مظاهره، أو أنه تمتنع معه وجودُ جيوب من الاستثناءات الكثيرة التي قد تصبح هي القاعدة. فهذا الحكم الذي أصدرتُه هو من هذا القبيل، أي أن الفلسفة العربية الإسلامية تندرج في إطار الاتجاه العام الذي ساد منذ أفلاطون وهو هيمنة العقل على الوجود، هذه الهيمنة التي تؤدي إلى إخضاع الوجود لمقولاتِ وأساليب العقل. أكثرُ من ذلك، عندما واجهتِ الحضارة العربية الإسلامية علومَ الأوائل، واجَهَتْها في الغالب بعقل شارح يريد أن يَفهم ما جرى وما تم إنتاجُه في الحضارات اليونانية والإيرانية والهندية. إذن فالرغبة في جر الوجود إلى ناحية العقل قد تؤدي إلى هذه الصَّوْرَنَة وإلى النظر إلى الوجود نظرة ماهوية قائمة على الحَدِّ والبرهان، لا على التجربة والاختبار. والدليل على ذلك أن جل العلماء الذين أضافوا شيئا إلى تاريخ العلم في الحضارة العربية الإسلامية هم من خارج أرض الفلسفة، لأن الذي يَكون داخل الفلسفة، وبخاصة من داخل التيار المشائي، لايستطيع الانفلات من منطق العقل ومن المبادئ التي كانت تَحكم إلهيات وطبيعيات الفلسفة المشائية. إن الأرسطية لا تسمح بالمغامرة، في حين أننا نجد أن الذين كانوا يَنهلون من نزعات الأفلاطونية المُحْدَثة والتصوف، استطاعوا أن يلتصقوا بالتجربة وأن يخوضوا في مغامرات إبداعية، سواء في الرياضيات أو الكيمياء.

نعم، إن البرهان نفسَه قد يقود إلى الإبداع والمغامرة، أقصد أنه حتى بالنسبة لابن رشد، حين كان يحاول أن يُخضِع مادة معرفية معيَّنة لنسق برهاني أو لإجراءٍ برهاني، فإنه، أثناء ممارسته المُحَايِثَة، يواجه صعوبات لايستطيع البرهانُ أن يَحلها، مما كان يضطرُّه إلى الخروج إلى فضاءات جديدة وتأسيس آفاق جديدة عن طريق إحداث تغيير في الدلالة.

أما عن الأطروحات الإستشراقية، فما وجهُ العيب أن يعتمدَها المرءُ إذا كانت صحيحة؟ أنا لا أظنكم من أعداء أن يَدرس الغيرُ حضارتنا، كما أنه لا مانع عندكم في أن نَدرس حضارتهم وفكرهم. صار البعضُ منا يَتكلم في الفلسفة وتاريخ العلم عن الاستشراق وكأنه في حركة وطنية تحارب الغزاةَ الأجانب. ولكن، أكثرَ من ذلك، معظم المستشرقين كانوا يناصرون النزعة التجريبية في العِلم العربي!

 

&الصورة: تتميز قراءتكم العميقة لأطروحات فلاسفة الإسلام بالتركيز على التحليل الداخلي لمنطق النص، وبمجهود متفرد في استنطاق مفاهيمه الأساسية وبيان مرجعياته ومقاصده، وذلك عبر توظيف غنيٍّ لجهاتٍ عديدة من الفحص المنطقي والإبستمولوجي والميتافيزيقي… بحيث تغدو لحظات التحليل والمقارَبة لديكم جزءا لايتجزأ من سياق السيرورة التكوينية للنص الفلسفي المدروس ذاتِه في توتره وقلقه، في مده وجزره، في نجاحاته وإخفاقاته… والنتيجة أن القارئ يجد نفسَه في نهاية المطاف أمام دلالات متعددة وأحيانا متضاربة لنفس المفهوم وبالنسبة لنفس الفيلسوف، دلالات قد تَرد متفرقة في أجزاء مختلفة من متنه الفلسفي، وقد تتعايش أحيانا في نص واحد بعينه؛ مما يؤدي إلى حالة من الالتباس والحيرة التي مافتئتم تحتفون بها منهجيا باعتبارها حالة صحية أو العنصر الإيجابي بامتياز في فعل التفلسف. والحال أن الفيلسوف بهذا يَفقد هويتَه المتميِّزة باعتباره صاحبَ أطروحة تمثل إضافته الشخصية في تاريخ الفلسفة.

ـ ألا ترون أن وحدة الفيلسوف تصبح مهدَّدة وعُرضة للضياع على حساب رؤية ذرِّيةٍ تعمل على تفتيت نسقيةِ شبكةِ المفاهيم، إلى درجة يصبح معها الفيلسوف متذبذبَ المواقف وموزَّع الانتماءات ذات اليمين وذات اليسار؟ 

ـ كيف يمكن أن ينقلب النص الفلسفي حجة ضد صاحبه، والحال أن ابن رشد على سبيل المثال حينما كان يحاور أو يَنتقد الفارابي أو الغزالي أو ابن سينا، فإنما كان ينطلق أساسا من كونهم أصحابَ مقال معلوم تنتظمُه مفاهيم ومصطلحات ذاتُ دلالات معلومة، تؤمُّ مقصدا معلوما لامجال فيه للالتباس؛ بل إنه طالما عاب عليهم الذهولَ عن عناصر التشكيكِ الثاويةِ وراء عبارة أرسطو، والوقوفَ عند معنى بعينِه دون سواه؟

 

p د. المصباحي: يبدو لي أنكم غيورون على هوية الفيلسوف ووحدتِه وحقه في أن يُعرض كاملا منسجما، وفي أن يكون لمقالته مضمون واحد لا مجال فيه للاختلاف. لقد كان هذا بالفعل هو غرضُ مناهج البحث النسقية التي كانت تريد أن تعطي صورة مطمَئنَّة قوية عن الفيلسوف، صورة هي أقرب ما تكون إلى الموضوع الجامد الميت الذي تَعمل على تشريحه تشريحا باردا. ولكن مَطالب الفكر الفلسفي والرؤية المنهجية اليومَ تَفرض علينا زاوية نظر أخرى، زاوية تجعلنا نَنظرُ إليه نظرة حية باعتباره كائنا يتغير في آرائه من كِتاب إلى آخر ومن فقرة إلى أخرى نَنظرُ إليه باعتباره، كما قلتُ، ممتلئا بالنتوءات والخرومات التي تَسمح لنا أن نَدخل إلى النص وإلى فضاء الكاتب وأن نُنشِئ من خلاله قولا جديدا.

أنا لا يضيرني أبدا أن نغادر منطقة الحقيقة المطمئنَّة بالنسبة للفيلسوف المدروس، وأن ننشئ على تخوم نصه مجالا نعطي فيه الحقَّ لأنفسنا لكي نتكلم وندليَ برأينا ونجعل من أنفسنا شاهدا جديدا على دلالاته. إننا اليومَ مطالبون أكثرَ من أي وقت مضى بأن لانتعامل مع فلاسفتنا ومع ونصوصنا تعاملا مقدَّسا يَحْرمُنا من تجاوز النص ومن لفت النظر إلى عثراته وتناقضاته وتراجعاته، بل على العكس من ذلك، يتعيّن علينا أن نَنظر إلى النص باعتباره قابلا لكل التأويلات ولكل أشكال الأخذ والرد، وأن نعتبرَه مناسبة للدارس لكي يقول كلمتَه فيه.

أنا لا أتردد إذن في جعل النص ـ كما قلتُ ـ شهادةً ضد صاحبه لأن الشخص أحيانا يَنطق بشيء ويخفي أشياء أخرى، أو يعلن شيئا ويمارس أشياء أخرى، لأن منطق الكتابة قد يَنِدُّ عن إرادة الكاتب. فعندما نصل إلى أن نكتشف في الكاتب مكامن التردد والقلق، نكون قد نجحنا في وضع اليد على حقيقته الإنسانية. فليس هناك فيلسوف حقٌّ يَنِدُّ عن الالتباس، وإلا تحوَّل إلى ناظم لأقوال بيداغوجية تَقصِدُ التعليمَ والتلقين لا البحثَ القلِق عن السؤال، عن الطرق الجديدة للقول والفعل. لقد مضى ذلك الوقت الذي كنّا نَعتبر فيه أن للفيلسوف الواحد غاية واحدة ومقصداً واحداً، وذلك أن الثورات التي حصلت في المناهج وفي العلوم الإنسانية بَيَّنت لنا كيف أن الإنسان له غايات متعددة بحسب المواقف والعناصر التي عليه أن يتخذ موقفاً منها، بل إن هذه المناهج والعلوم أظهرت بأن الفاعل قد يَكون غيرَ واع حتى بالهدف الذي هو ذاهب نحوَه. لو كان هناك فيلسوفٌ عُرف بصرامته في الاستدلال ووحدته في الغاية فهو أرسطو، ومع ذلك، فقد صار اليومَ قِطعاً متشظية! لقد مضى زمن البنية والنسق والهوية وال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حوار مع الدكتور محمد المصباحي / الجزء الثالث

كتبها د. عزيز بوستـَّا Dr. aziz Boussetta ، في 10 يوليو 2007 الساعة: 21:20 م

  حوار مع الدكتور محمد المصباحي

حول قضايا متعلقة بالفلسفة العربية الإسلامية - الجزء الثالث

نُشر ب< < الصورة: مجلة النقد الأدبي والبحث الفلسفي> السنة الثانية ، العدد الثاني، خريف 1999، دار النشر المغربية بالدار البيضاء

أجرى الحوار: عزيز بوستا / محمد الشلي

 

&الصورة: أصبحتم معروفين داخل الجامعة المغربية وفي أوساط الباحثين العرب في الفلسفة الإسلامية بانتصاركم لمنهج فريد قوامُه إعادة النظر في مسألة تأريخ الفلسفة. ذلك أن القصد الأول عندكم من تاريخ الفلسفة "هو النصُّ لا سياقه، بل المهم في هذا القصد الأول هو النصُّ ذاته لا معناه بالنسبة لعصره أو حتى بالنسبة إلينا. ومن ثم فإن النظر إلى النص من حيث هو نص يَرومُ الوقوفَ على فعاليته الحية لإنتاج الشكوك وتنويع الدلالات وتفريعها وبناء الاستراتيجيات القولية وتحديثها. ولذلك لن يكون الغرضُ الأساسي من التأريخ الفلسفي هو إضفاءُ هذا اللون أو ذاك على نظريةٍ أو موقف أو إشكالية، بل هو متابعة قدرةِ النص على الدفاع عن نفسه والتعبير عن قضاياه والكشفِ عن تجربة كاتبه المتميزة. أما دلالته على وضع تاريخي أو اجتماعي أو عقائدي معيَّن، فهو أمر يهم علوما إنسانية أخرى أكثرَ مما يهم تأريخ الفلسفة". (كتابكم: تحولات في تاريخ الوجود والعقل، ص: 315-316).

          بيد أن هذا المنهج، الذي يستنكف عن التاريخ، مجتهدا في التنقيب والبحث عما هو أصيل وعميق في حقيقة النص خارج معطيات زمنيَّتِه السوسيولوجية، لماذا نجده يلوم فلسفة الفارابي مثلا باستنكافها عن التاريخ وعن المدينة، ليطالعنا بخلاصات صادمة مفادها أن فلسفة الفارابي "مضادة للإنسان" (كتاب: من المعرفة إلى العقل، ص: 33)، أو هي "فلسفة ابتلاع الإنسان" (ن. م، ص: 42 و44)؟ ولماذا يلوم فلسفة ابن باجة أيضا، لنفس الاعتبارات السالفة، واصفا إياها بكونها "فلسفة عدمية" (ن. م، ص: 116)، وبأنها "لا مدنيّة لكونها تَنشُد التوحُّدَ، ولا تاريخيّة بحكم ارتباطها بالمطلق، ولاأخلاقية لأنها تدَّعي أنها توجَد فوق القيم والفضائل، ولا معرفيّة نتيجة سعيها نحو الحقيقة، ولا إنسيّة لأن الذي يهمُّها ليس هو الأنا في كائِنِيَّتِه وفعاليته، بل هو الأنا حين يَتحول إلى كينونة عقلية خالصة" (ن. م، ص: 125

          الحقُّ أننا قد نتفهم انتقاداتٍ من هذا القبيل كانت تَصْدُر عن مناهج مغالية في مُنافَحَتها للنزعة التاريخية، لكننا نجد صعوبة كبيرة في فهمها من جانب منهجكم الذي يبدو أكثر تفهما واقترابا من عمق التجربة الفلسفية والوجودية لمثل هذه الفئة من الفلاسفة.

ألا يمكن اعتبار الدعوة إلى التعالي عن التاريخ وعن المدينة، حين يلوثها تسلط القيم والمعارف الجمهورية اللافلسفية، بمثابة جرأةٍ فلسفية تؤمِّن للذات حصانة في مواجهة جبروت اللاعقل؟ وبعبارة أخرى ـ نستأذنكم في استعارتها من روح منهجيتكم ـ ألا يمكن أن نرى في دعوةٍ مِن هذا القبيل رغبة جامحة في شق معالم "استراتيجية قولية جديدة"؟

 

p د. المصباحي: أود في البداية أن ألفت الانتباه إلى ضرورة مراعاة زمن الكتابة. ومع ذلك عندما كنت أُصدر الأحكام على هؤلاء الفلاسفة فليس من أجل لومهم وتوبيخهم، بل لأنوه بتجربتهم، بجرأة ابن باجة والفارابي في تخلصهما من المدينة ولوازم المدينة، لتوسيع مجال الحرية وفضاء القول المستقل عن الجمهور وعن السائد في مجتمع ما. وعندما أصف تجربة ابن باجة بأنها تجربة "عدمية"، فإنني لاأفعل ذلك من أجل انتقادها، بل من أجل تقريبها من التجربة الوجودية الحديثة، من أجل الترويج لقول ولخطاب فلسفي يكون غاية لذاته، لا غاية لسلطةٍ من السُّلط الإيديولوجية أو السياسية. إن هذا تنويه بمثل هذه التجارب. وهذا هو معنى الدعوة إلى منهج يَنظر في الجانب الفعال من النص، أي باعتباره دينامية خلاقة تنتِج نفسَها من أجل نفسِها، من أجل خلق كائنات ومفاهيم ومبادئ فكرية، من أجل خلق فضاءات للإبداع وأوراش للنقاش. وقبل ذلك وبعدَه من أجل صياغة أسئلة جديدة لم يكن لنا عهد بها… لكن في نفس الوقت إذا كنتُ أقف ضد كل نزعة تشجع على الخضوع للسلط، فليس معنى هذا أنني أتساهل في التخلي عن الإنسان في سبيل المطلق.

القصدُ إذن من دعوتي إلى عدم الركون إلى النظر إلى النص الفلسفي من خلال سياقه أو من خلال المدينة إنما هو تعبير عن غِيرة على الفلسفة من أجل أن تكون مستقلة عن كل السُّلط، و من أجل أن لاتستجيب لرغباتٍ جاهزة وقبْليّة يفرضُها سوقُ "التداول الفكري". ينبغي أن يكون القولُ الفلسفي مستقلا عن هذه السوق، وهذا هو شرط ريادته وقدرته على التعبيئ وقيادة الأجناس القولية الأخرى.

لقد تم تجريب القول الإيديولوجي ـ وما زلنا نكتوي به ـ هذا القول الذي أدى في نهاية الأمر إلى الإفلاس بكيفية مروعة وعلى نحو شامل لم نحصد منه غير خراب المدينة والذات. قد تكون الفلسفة في كنهها محتاجة إلى هذا الفشل وهذا الشقاء من أجل أن تنطوي على نفسها وتفكر وجها لوجه في الوجود في معزل عن السلط والقيود التي ينتجها التاريخ من أجل إنتاج رؤى جديدة تغذي أحلامنا من جديد. فالإنسان لايستطيع أن يعيش بدون حلم، لأنه امتداد لجسده ووجودِه. وسببُ فشل القول الإيديولوجي هو أنه خاطب الذاتَ التاريخية، وفي مخاطبته لها خاطب النخبة في الذات السياسية، وفي مقابل ذلك تم نسيان الذات الفردية. إننا هنا والآن محتاجون إلى "أنوات" فردية، لا إلى "أنا" جمعي ينوب عن الكل. وهذا لن يتحقق إلا إذا تخلصنا من ثقل الآني، ثقل السلط التي أرهقتنا بمطالباتها اللامتناهية بالطاعة .

 

&الصورة: تستحضرون دائما أثناء مجهودكم النقدي تجاه التراث العربي تحقيقَ مقصدين استراتيجيين متوازيين ومتكاملين: استنطاق النص الفلسفي في نصِّيتِه وتفكيك عناصر ديناميته النظرية الداخلية بما هو خلاصة خصبة تعكس جدلَ علاقته المتوترة بشتى مكونات تاريخ ذاكرته الفلسفية من جهة، وهو ما يمكن تسميته بلحظة الاتصال أو التواصل مع النص لجعله يبوح لنا بمكنوناته وبواطنه؛ ثم العمل، من جهة أخرى، على استفزاز هذا النص القديم عبر الزَّجِّ به في معمعة سؤال أو أسئلة الحداثة لبيان حدوده، وكذا لإخصاب ما ينطوي عليه من إمكانات ظلت سجينة دائرة المنسيات واللامفكر فيه (Impensables)، وهو ما يمكن تسميته بلحظة الانفصال التي يشير إليها تواترُ أسماء أعلام الحداثة والمعاصرَة الغربية: ديكارت، كانط، سبينوزا، هيجل، فرويد، هيدجر

          بيد أنه على الرغم من أن العملية الأولى تستغرق معظم مجهودكم، بحيث لاتحضر العملية الثانية إلا في شكل إشراقات ولمع خاطفة غالبا ما تكون في خواتم أبحاثكم، فإننا نلاحظ أن حضورها يظل حاسما وموجِّها بالنظر إلى أن الهزات العميقة التي بلورتها الحداثة الفلسفية المعاصِرة عبر ثوراتها المتراكمة تبدو بالنسبة إليكم حقائقَ حاسمة لارجعة فيها؛ بل "إن ما نشعر به، ونحن نقرأ الخلاصات النقدية التي يعلق بها د. المصباحي على المذاهب الإسلامية، هو أن نقطة الانطلاق عنده تصبح هي الإشكالات الفلسفية المعاصرة، حيث يتم انطلاقا من هذه الإشكالات اتخاذ مواقف من مذاهب الماضي" (محمد وقيدي: الدلالة وبناء المذاهب الفلسفية، العلم الثقافي، 30/12/1995، ص: 8).

          ألا ترون أن هذه الوضعية تجعل موازين القوى مختلة وفي غير صالح النص الفلسفي القديم، خصوصا وأنكم تكتفون بالإلماح إلى بعض أطروحات الفلسفة الغربية المعاصِرة دون إخضاعها لذلك النمط من النقد العلمي الصارم الذي يَطبع تعاملكم مع التراث العربي، وأن الأمر يؤول إلى نوع من الحوار اللامتكافئ بين مقولاتٍ فلسفية معاصِرة مازالت متوهِّجة وواعِدة وتمتلك طاقات خصبة لم تستنفَذ بعد، وبين نص تراثي أضحت كثيرٌ من مقولاته وبديهياته في ذمة التاريخ؟

 

p د. المصباحي: الملاحظة المنهجية التي طرحتموها في هذا السؤال، والمتمثلة في فقدان التوازن بين الاتصال والانفصال في منهجية مقاربتنا للنص، ملاحظة وجيهة ودقيقة. لقد فهمتُ من سؤالكم أنكم تطالبون بضرورة إعادة التوازن بين عنصري الاتصال والانفصال بإخضاع الفلسفة الحديثة والمعاصرة نفسِها لنوع من النقد والمراجعة كما نفعل بالنسبة للنص الفلسفي العربي القديم.

أعتقد بأن مشكلتنا بالنسبة لتاريخ الفلسفة العربية الإسلامية هو أننا لم نقم بمسعى الاتصال مع النص مباشرة بما فيه الكفاية. المجهودات التي أقيمت كانت تدور في الغالب على محاولة استخلاص معاني النص بالنسبة لعصره من أجل خدمة أغراض عصرنا، بينما ظلت محاولات الدخول في حوار مع النص قليلة جدا. طبعا، هذا الحوار فيه مخاطرة، لأن اتخاذ جانب الاتصال بالنص أو التماسِّ معه، قد يؤدي بنا إلى الحلول فيه، ف

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

يوميات قادس بإسبانيا؛ عن رحلة دراسية من6 إلى 16 ماي 2007

كتبها د. عزيز بوستـَّا Dr. aziz Boussetta ، في 8 يوليو 2007 الساعة: 19:41 م

GACETA GADITANA يوميات قادس

لقراءة أو تحميل هذه اليوميات  باللغة الإسبانية، انقر على الرابط أسفله

gacetagaditana.pdf

BOLETÍN DE LA ESTANCIA DE LOS ALUMNOS PROFESORES DE TÁNGER Y FEZ EN LA CIUDAD DE CÁDIZ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي



وهي مدونة تعنى بنشر إبداعات وأبحاث طلبة وأساتذة المركز